المحقق الحلي
19
معارج الأصول ( طبع جديد )
وقد كان لهذا الكرسي يومذاك عظمة وقدرا فوق الوصف ، إذ لم يسمحوا به إلّا لمن برز في علومه ، وتفوّق على أقرانه ، ولم يكن في بغداد يومذاك من يفوقه قدرا أو يفضل عليه علما فكان هو المتعيّن لذلك الشرف . لم يفتأ شيخ الطائفة إمام عصره وعزيز مصره ، حتى ثارت القلاقل ، وحدثت الفتن بين الشيعة والسنّة ، ولم تزل تنجم وتخبو بين الفينة والأخرى ، حتى اتسع نطاقها بأمر طغرل بيك ، أوّل ملوك السلجوقية ، فإنّه ورد بغداد في سنة 447 ه ، وشنّ على الشيعة حملة شعواء ، وأمر بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير ، وزير بهاء الدولة البويهي ، وكانت من دور العلم المهمّة في بغداد ، بناها هذا الوزير الجليل والأديب الفاضل في محلّة بين السورين في الكرخ سنة 381 ه ، على مثال ( بيت الحكمة ) الذي بناه هارون الرشيد . وكانت مهمّة للغاية ، فقد جمع فيها هذا الوزير ما تفرّق من كتب فارس والعراق ، واستكتب تآليف أهل الهند والصين والروم - كما قاله محمد كرد علي - ونافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار ومهام الأسفار ، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلّفين . قال ياقوت الحموي : وبها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير ، وزير بهاء الدولة ابن عضد الدولة ، ولم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها ، كانت كلّها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحرّرة . . . إلى آخره . وكان من جملتها مائة مصحف بخط ابن مقلة ، على ما ذكره ابن الأثير . وحيث كان الوزير سابور من أهل الفضل والأدب ، أخذ العلماء يهدون إليه مؤلفاتهم ، فأصبحت مكتبته من أغنى دور الكتب ببغداد . وقد احترقت هذه المكتبة العظيمة فيما احترق من محالّ الكرخ عند مجيء طغرل بيك . وتوسعت الفتنة حتى اتجهت إلى شيخ الطائفة وأصحابه ، فأحرقوا كتبه وكرسيّه الذي